تطور الفكر الإداري: من المدارس الكلاسيكية إلى الإدارة الحديثة في الممارسة الصيدلانية

دليل إدارة الصيدلة الحديثة

الفصل الثاني: تطور الفكر الإداري

تطور الفكر الإداري: من المدارس الكلاسيكية إلى الإدارة المعاصرة في الممارسة الصيدلانية

من المدارس الكلاسيكية إلى الإدارة المعاصرة: فهم المنظمات وقيادة الأداء في الممارسة الصيدلانية

Evolution of Management Thought

نظرة عامة على الفصل

إنفوجرافيك يوضح تطور الفكر الإداري من المدرسة الكلاسيكية إلى الإدارة المعاصرة، مع أبرز النظريات الإدارية وتطبيقاتها في إدارة الصيدلة الحديثة.

الشكل (1): تطور الفكر الإداري وأبرز المدارس الإدارية وتطبيقاتها في الممارسة الصيدلانية – من إعداد الصيدلي/ ياسر شبيكة.

لم تنشأ الإدارة بوصفها علمًا متكاملًا في لحظة واحدة، ولم تتطور نظرياتها بمعزل عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. فقد كانت كل مرحلة من مراحل تطور الفكر الإداري محاولة لفهم المشكلات التي تواجه المنظمات، وتطوير أساليب أكثر فاعلية لتنظيم العمل وتنسيق الموارد وتحقيق الأهداف.

ركزت المدارس الإدارية الأولى على تقسيم العمل، ورفع الإنتاجية، وتحديد المسؤوليات، وبناء الهياكل التنظيمية. ثم اتسع الاهتمام ليشمل الإنسان داخل المنظمة، ودوافعه، وعلاقاته بزملائه، وتأثير القيادة والثقافة المؤسسية في أدائه.

ومع تزايد تعقيد المنظمات، ظهرت اتجاهات جديدة تعتمد على التحليل الكمي، والتفكير النظمي، والمنهج الموقفي، وإدارة الجودة، والتعلم المؤسسي. وفي العقود الأخيرة أضاف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أبعادًا جديدة إلى طبيعة العمل الإداري والقرارات التي يتخذها المديرون.

ولم تكن الممارسة الصيدلانية بعيدة عن هذه التحولات.

فالصيدلية الحديثة ليست مجرد مكان تُحفظ فيه الأدوية وتُصرف منه الوصفات، بل هي جزء من منظومة صحية مترابطة تضم المرضى والمهنيين الصحيين والتقنيات والمعلومات والموارد والأنظمة التنظيمية والمالية.

ومن ثم، فإن فهم تطور الفكر الإداري يساعد الصيدلي على تفسير كثير من المشكلات التي يواجهها في الممارسة اليومية، والتمييز بين المشكلات المرتبطة بتصميم العمل، وتلك الناشئة عن ضعف التنسيق أو التواصل أو الموارد أو الثقافة المؤسسية.

والفكرة المحورية لهذا الفصل هي أن الإدارة الفعالة لا تقوم على تبني نظرية واحدة، بل على فهم المدارس الإدارية المختلفة، والاستفادة من مبادئها وفق طبيعة المشكلة والسياق المهني ومتطلبات سلامة المرضى.

أهداف الفصل

إنفوجرافيك يوضح الأهداف العشرة للفصل الثاني من دليل إدارة الصيدلة الحديثة، وتشمل مدارس الفكر الإداري، الإدارة العلمية، القيادة، التفكير النظمي، الجودة والذكاء الاصطناعي.

الشكل (2): الأهداف التعليمية العشرة للفصل الثاني «تطور الفكر الإداري»، من فهم المدارس الإدارية إلى تطبيق مفاهيم الجودة والتحسين المستمر والتكنولوجيا في الممارسة الصيدلانية. من إعداد الصيدلي/ ياسر شبيكة.

بعد دراسة هذا الفصل، يُتوقع أن يكون القارئ قادرًا على:

  1. تفسير الظروف التي أسهمت في نشأة الفكر الإداري وتطوره.
  2. التمييز بين المدارس الإدارية الكلاسيكية والسلوكية والكمية والنظمية والموقفية والمعاصرة.
  3. التعرف إلى إسهامات أبرز رواد الفكر الإداري وحدود نظرياتهم.
  4. ربط مبادئ الإدارة العلمية بتحسين سير العمل والعمليات الصيدلانية.
  5. توضيح أثر التحفيز والقيادة والعلاقات الإنسانية في أداء الفرق الصيدلانية.
  6. تطبيق التفكير النظمي لفهم الترابط بين مكونات منظومة استخدام الدواء.
  7. اختيار الأساليب الإدارية المناسبة وفق طبيعة الموقف وبيئة الممارسة.
  8. تفسير دور إدارة الجودة والتحسين المستمر والتعلم المؤسسي في تطوير الخدمات الصيدلانية.
  9. مناقشة أثر التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي في الإدارة الحديثة.
  10. تحليل مشكلة صيدلانية باستخدام أكثر من منظور إداري واقتراح تدخلات قابلة للقياس والتقييم.

لماذا ندرس تاريخ الفكر الإداري؟

قد يواجه مدير الصيدلية مشكلة متكررة تتمثل في طول زمن انتظار المرضى. وقد تكون استجابته الأولى هي زيادة عدد الموظفين، أو شراء أجهزة جديدة، أو إعادة توزيع المهام، أو تشديد الرقابة على الأداء.

لكن هذه الحلول تنطلق من افتراضات مختلفة حول أسباب المشكلة.

فزيادة الموظفين تفترض وجود نقص في الطاقة التشغيلية. وشراء الأجهزة يفترض أن التكنولوجيا قادرة على تسريع العمل. وإعادة توزيع المهام تفترض وجود خلل في تصميم العمليات. أما تشديد الرقابة فيفترض أن المشكلة مرتبطة بأداء العاملين أو التزامهم.

وهنا تظهر أهمية الفكر الإداري؛ إذ تقدم كل مدرسة إدارية زاوية مختلفة لفهم المشكلة.

  • فالإدارة العلمية تهتم بكيفية أداء العمل، والنظرية الإدارية تهتم بالتخطيط والتنظيم والتنسيق، بينما تركز مدرسة العلاقات الإنسانية على العاملين والتواصل والتحفيز.
  • أما الإدارة الكمية فتستخدم البيانات والنماذج الرياضية، في حين ينظر التفكير النظمي إلى العلاقات بين مكونات المنظمة، ويسأل المنهج الموقفي عن الأسلوب الإداري الأنسب للظروف القائمة.

ولذلك فإن دراسة تاريخ الإدارة لا تهدف إلى حفظ أسماء العلماء وتواريخهم، وإنما إلى تنمية قدرة الصيدلي على تشخيص المشكلات واختيار الحلول المناسبة.

النظريات الإدارية أدوات للفهم وليست وصفات جاهزة

نشأت كل نظرية إدارية في ظروف تاريخية وتنظيمية معينة. وقد تكون مبادئها مناسبة لبعض الأنشطة، لكنها تحتاج إلى تعديل عند تطبيقها في بيئات أخرى.

فتوحيد الإجراءات قد يكون ضروريًا في تحضير المستحضرات المعقمة، لكنه لا يعني إلغاء الحكم السريري عند تقييم العلاج الدوائي لمريض معقد الحالة.

وبالمثل، فإن مشاركة العاملين في اتخاذ القرار قد تكون مناسبة لتطوير خدمة جديدة، بينما تتطلب بعض حالات الطوارئ المتعلقة بسلامة الدواء اتخاذ قرارات سريعة وفق صلاحيات واضحة.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه المدير ليس: أي نظرية هي الأفضل دائمًا؟

بل: ما الذي تساعدنا هذه النظرية على فهمه؟ ومتى تكون مفيدة؟ وما الجوانب التي قد تغفلها؟

الإدارة قبل ظهور المدارس العلمية

عرف الإنسان تنظيم العمل قبل ظهور الإدارة بوصفها تخصصًا أكاديميًا. فقد احتاجت المجتمعات القديمة إلى التخطيط وتوزيع الموارد وتنسيق الأنشطة في الزراعة والتجارة والبناء والإدارة العامة.

لكن الثورة الصناعية أحدثت تحولًا كبيرًا في حجم العمل وطبيعته. فقد أدى انتشار المصانع والآلات وتزايد أعداد العاملين إلى ظهور تحديات تتعلق بالإنتاجية والإشراف وتقسيم المسؤوليات.

وأصبح من الضروري تطوير أساليب منظمة للإجابة عن أسئلة أساسية: كيف يُقسّم العمل؟ وكيف تُحدد المسؤوليات؟ وكيف يُقاس الأداء؟ وكيف يمكن تنسيق جهود العاملين؟

تقسيم العمل والتخصص

كان آدم سميث (Adam Smith) من المفكرين الذين أبرزوا أهمية تقسيم العمل في زيادة الإنتاجية، ولا سيما في كتابه ثروة الأمم الصادر عام 1776.

وأوضح أن التخصص قد يساعد العامل على اكتساب مهارة أكبر، وتقليل الوقت الضائع في الانتقال بين المهام، وتحسين الإنتاجية.

ويظهر هذا المبدأ في الصيدلة الحديثة من خلال توزيع الأنشطة بين الصيادلة وفنيي الصيدلة وغيرهم من العاملين، وفق الكفاءات والصلاحيات المهنية.

لكن تقسيم العمل لا يضمن وحده نجاح الخدمة.

فكلما توزعت المسؤوليات بين أشخاص وأقسام متعددة، ازدادت أهمية التنسيق والتواصل وتسليم المهام بصورة واضحة.

التطبيق الصيدلاني: ينبغي ألا يكون الهدف مجرد توزيع العمل، بل تصميم مسؤوليات مترابطة تضمن سلامة المريض واستمرارية الخدمة.

الإدارة العلمية: فريدريك تايلور

ارتبط ظهور الإدارة العلمية (Scientific Management) باسم فريدريك وينسلو تايلور (Frederick Winslow Taylor)، الذي نشر كتابه مبادئ الإدارة العلمية عام 1911.

انطلق تايلور من فكرة أن العمل ينبغي أن يُدرس بصورة منهجية، بدلًا من الاعتماد الكامل على العادات والخبرة الفردية.

المبادئ الأساسية

ركزت الإدارة العلمية على دراسة المهام، وتحديد طرق العمل الفعالة، واختيار العاملين وتدريبهم، وتعزيز التعاون بين الإدارة والعاملين، وتوضيح مسؤوليات التخطيط والتنفيذ.

وقد أسهمت هذه الأفكار في تطوير قياس العمل، وتحليل العمليات، وتوحيد الإجراءات.

التطبيقات الصيدلانية

يمكن الاستفادة من هذه المبادئ عند دراسة خطوات معالجة الوصفات الطبية، وتنظيم أماكن التخزين، وتقليل الحركة غير الضرورية، وتحسين توزيع المهام، وتحديد الاختناقات التشغيلية.

فإذا كانت الوصفات تتأخر بسبب انتقال الموظفين المتكرر بين محطات العمل أو تكرار إدخال المعلومات، فقد يساعد تحليل سير العمل على اكتشاف خطوات يمكن إعادة تصميمها.

حدود الإدارة العلمية

لا ينبغي اختزال الإدارة العلمية في مطالبة العاملين بزيادة السرعة.

فالإفراط في التركيز على الإنتاجية قد يؤدي إلى إهمال الحكم المهني أو التواصل مع المرضى أو متطلبات السلامة.

وقد تتحسن سرعة صرف الوصفات بينما تتراجع جودة التحقق السريري أو التثقيف الدوائي.

الدرس الإداري: ينبغي دراسة العمل وتحسينه بصورة منهجية، لكن معيار النجاح في الصيدلة هو الأداء الآمن والفعال والموثوق، وليس السرعة وحدها.

وسنتناول تطبيقات الإدارة العلمية وتحسين العمليات بتفصيل أكبر في الفصل الثالث.

النظرية الإدارية: هنري فايول

ركز هنري فايول (Henri Fayol) على الإدارة من منظور المنظمة بأكملها، بدلًا من التركيز على المهام الفردية فقط.

وقد أسهم كتابه الإدارة الصناعية والعامة، المنشور بالفرنسية عام 1916، في ترسيخ الإدارة بوصفها وظيفة تنظيمية مستقلة.

حدد فايول أنشطة إدارية تتعلق بالتخطيط والتنظيم وإصدار التوجيهات والتنسيق والرقابة، وطرح مبادئ تتناول السلطة والمسؤولية ووحدة التوجيه والانضباط والعدالة والمبادرة.

التطبيق الصيدلاني

عند إنشاء خدمة للصيدلة السريرية في عيادة تخصصية، لا يكفي تعيين صيدلي مؤهل.

بل ينبغي تحديد أهداف الخدمة، والفئة المستهدفة، والموارد، والمسؤوليات، وآليات الإحالة، والتوثيق، ومؤشرات الأداء، والعلاقة مع الأقسام الأخرى.

وهذه جميعها وظائف إدارية.

حدود النظرية

قد يؤدي التطبيق الجامد للمبادئ التقليدية إلى الإفراط في التسلسل الهرمي وإضعاف المشاركة المهنية.

لكن غياب المسؤوليات الواضحة قد يخلق مشكلات لا تقل خطورة.

الدرس الإداري: تحتاج الخدمات الصيدلانية إلى هيكل تنظيمي واضح، مع المحافظة على التعاون بين التخصصات والمرونة المهنية.

النظرية البيروقراطية: ماكس فيبر

أسهم ماكس فيبر (Max Weber) في تفسير طبيعة السلطة والتنظيم الرسمي، ولا سيما من خلال مفهوم السلطة القانونية العقلانية.

والبيروقراطية (Bureaucracy) في إطار تحليله ليست مجرد كثرة الأوراق والإجراءات، بل نموذج تنظيمي يقوم على القواعد الواضحة، وتحديد المسؤوليات، والتسلسل الإداري، والتوثيق، والمؤهلات المهنية.

أهميتها للصيدلة

تعمل المؤسسات الصيدلانية في بيئة تتطلب التزامًا تنظيميًا ومهنيًا مرتفعًا.

فتخزين الأدوية، والتعامل مع الأدوية الخاضعة للرقابة، والتحضير العقيم، والتوثيق، وإدارة الصلاحيات، جميعها تحتاج إلى إجراءات ومعايير واضحة.

وقد تسهم القواعد المنظمة في الحد من القرارات العشوائية وتحقيق الاتساق.

متى تتحول البيروقراطية إلى عبء؟

عندما تصبح الإجراءات معقدة دون مبرر، أو تتكرر الموافقات، أو يتأخر توفير دواء ضروري بسبب مسارات إدارية غير مناسبة، فقد تتحول الوسيلة التنظيمية إلى عائق أمام تحقيق الهدف.

الدرس الإداري: المطلوب ليس التخلص من القواعد، بل التمييز بين الضوابط الضرورية لسلامة المريض والحوكمة، والإجراءات التي تضيف تعقيدًا دون قيمة واضحة.

مدرسة العلاقات الإنسانية

جاءت مدرسة العلاقات الإنسانية (Human Relations Movement) لتوسّع الاهتمام الإداري من الآلات والمهام والهياكل إلى الإنسان داخل المنظمة.

ويرتبط هذا الاتجاه بإلتون مايو (Elton Mayo) والدراسات المعروفة باسم تجارب هوثورن (Hawthorne Studies).

وقد شجعت هذه الدراسات الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية، والجماعات غير الرسمية، والاتصال، واتجاهات العاملين. ومع ذلك، فإن تفسير نتائجها ظل موضع نقاش علمي، ولا يصح اختزالها في القول إن مجرد الاهتمام بالعاملين يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الإنتاجية.

التطبيق الصيدلاني

لنفترض أن إدارة صيدلية أدخلت نظامًا جديدًا لسير العمل دون إشراك الموظفين في التخطيط.

قد يبدو النظام فعالًا من الناحية النظرية، لكن العاملين يواجهون صعوبات عملية تؤدي إلى ظهور طرق غير رسمية لتجاوز الإجراءات.

قد تفسر الإدارة ذلك باعتباره مقاومة للتغيير، بينما تكشف المناقشة مع الفريق عن ضعف التدريب أو عدم ملاءمة بعض الخطوات لطبيعة العمل.

حدود المدرسة

العلاقات الجيدة لا تعالج وحدها نقص الموارد أو سوء تصميم العمليات أو ضعف الأنظمة.

الدرس الإداري: ينبغي الاهتمام بالعاملين والاستماع إليهم، مع معالجة الأسباب التشغيلية والتنظيمية للمشكلات.

العلوم السلوكية والسلوك التنظيمي

استفاد الفكر الإداري من علم النفس وعلم الاجتماع لتفسير دوافع العاملين وسلوكهم وعلاقاتهم بالمنظمة.

ومن أبرز النظريات المؤثرة في هذا المجال:

أبراهام ماسلو: هرم الاحتياجات

اقترح ماسلو (Abraham Maslow) أن الإنسان يسعى إلى إشباع احتياجات متعددة، تبدأ بالاحتياجات الأساسية وتمتد إلى الانتماء والتقدير وتحقيق الذات.

وقد أسهم النموذج في توسيع فهم الدوافع الإنسانية، لكن الترتيب الهرمي الصارم للاحتياجات لا يتمتع بدعم تجريبي كافٍ ليُعامل باعتباره قانونًا عامًا.

وفي بيئة الصيدلة، قد يحتاج الموظف إلى ظروف عمل آمنة وعادلة، إلى جانب فرص التعلم والتقدير والتطور المهني.

دوغلاس ماكغريغور: النظرية X والنظرية Y

قدم ماكغريغور (Douglas McGregor) تصورين مختلفين لافتراضات المديرين بشأن العاملين.

تفترض النظرية X أن العاملين يحتاجون إلى رقابة وتوجيه مستمرين، بينما تفترض النظرية Y إمكانية ممارسة المسؤولية والتوجيه الذاتي والمشاركة عندما تتوفر الظروف المناسبة.

ولا تعني النظريتان تصنيف الموظفين إلى نوعين ثابتين، بل تكشفان أثر افتراضات المدير في أسلوب قيادته.

فريدريك هيرزبرغ: نظرية العاملين

ميز هيرزبرغ (Frederick Herzberg) بين عوامل قد تسبب عدم الرضا، مثل ظروف العمل والسياسات التنظيمية، وعوامل ترتبط بالدافعية، مثل الإنجاز والتقدير والمسؤولية والنمو المهني.

ورغم حدود هذه النظرية، فإنها تذكّرنا بأن إزالة أسباب الاستياء لا تكفي بالضرورة لبناء فريق مهني متحمس.

التطبيق الصيدلاني

تتطلب إدارة القوى العاملة الصيدلانية الاهتمام بعبء العمل، وعدالة توزيع المهام، والتدريب، والتقدير، والفرص المهنية، والوضوح الوظيفي، والثقافة المؤسسية.

الدرس الإداري: لا تُبنى كفاءة الفريق الصيدلاني على التعليمات والرقابة وحدهما، بل على بيئة تساعد المهنيين على أداء عملهم بكفاءة ومسؤولية.

الإدارة الكمية وبحوث العمليات

تعتمد الإدارة الكمية (Quantitative Management) على الأساليب الرياضية والإحصائية والتحليلية لدعم القرارات.

وقد توسعت بحوث العمليات (Operations Research) خلال القرن العشرين، ثم امتدت تطبيقاتها إلى الصناعة والنقل والرعاية الصحية وسلاسل الإمداد.

تطبيقاتها في الصيدلة

يمكن استخدام الأساليب الكمية في التنبؤ بالطلب على الأدوية، وتخطيط المخزون، وجدولة العاملين، وتحليل طوابير الانتظار، وتقدير الطاقة التشغيلية، وتوزيع الموارد.

مثال: إدارة المخزون الدوائي

قد تؤدي زيادة المخزون إلى ارتفاع تكاليف التخزين واحتمال انتهاء الصلاحية، بينما قد يؤدي انخفاضه إلى نقص الأدوية وتأخر العلاج.

وتساعد النماذج الكمية على تقدير الطلب ومواعيد التوريد ومستويات المخزون المناسبة.

لكن القرار لا ينبغي أن يستند إلى التكلفة فقط؛ بل يجب مراعاة أهمية الدواء سريريًا، وتوفر البدائل، ومخاطر الانقطاع، وطبيعة المرضى.

مثال: زمن انتظار المرضى

قد يرتفع زمن الانتظار بصورة كبيرة عندما يقترب الطلب على الخدمة من الطاقة التشغيلية المتاحة، خاصة عند تباين أوقات وصول المرضى وتعقيد الوصفات.

ويساعد تحليل طوابير الانتظار على فهم العلاقة بين الطلب والقدرة التشغيلية وتوزيع العاملين.

حدود النماذج الكمية

تعتمد نتائج النماذج على جودة البيانات والافتراضات المستخدمة.

فالنموذج الذي يسعى إلى تقليل تكلفة العاملين قد يقترح عددًا لا يكفي للتعامل مع الحالات المعقدة أو الطوارئ أو متطلبات التثقيف الدوائي.

الدرس الإداري: ينبغي أن تدعم البيانات والنماذج الرياضية القرار المهني، لا أن تحل محل الحكم السريري أو اعتبارات السلامة والأخلاقيات.

نظرية النظم والتفكير النظمي

يمثل التفكير النظمي (Systems Thinking) تحولًا مهمًا في فهم المنظمات.

فبدلًا من دراسة كل قسم أو عملية بصورة منفصلة، ينظر هذا الاتجاه إلى المنظمة بوصفها منظومة تتكون من عناصر مترابطة تتفاعل مع بعضها ومع البيئة الخارجية.

ويرتبط تطور نظرية النظم العامة بإسهامات لودفيغ فون برتالانفي (Ludwig von Bertalanffy) وغيره من الباحثين.

الصيدلية بوصفها منظومة

تعتمد الخدمات الصيدلانية على تفاعل المرضى والعاملين والأنظمة الإلكترونية وسلاسل الإمداد والسياسات والموارد والعمليات السريرية.

وقد يؤثر التغيير في أحد هذه المكونات في بقية المنظومة.

فإدخال جهاز صرف آلي قد يقلل بعض الأعمال اليدوية، لكنه يخلق احتياجات جديدة تتعلق بالتدريب والصيانة والتكامل الإلكتروني وتوزيع المسؤوليات.

التحسين الجزئي قد لا يحسن المنظومة

قد تنجح الصيدلية في تقليل زمن تجهيز الأدوية من خلال نقل بعض المهام إلى قسم التمريض.

لكن إذا أدى ذلك إلى زيادة عبء العمل على التمريض أو تأخر إعطاء الأدوية، فإن تحسن مؤشر الصيدلية لا يعني تحسن الخدمة الصحية ككل.

وبالمثل، قد يحقق قسم المشتريات وفورات مالية من خلال اختيار مورد منخفض التكلفة، لكن ضعف انتظام التوريد قد يؤدي إلى نقص الأدوية وارتفاع التكلفة الإجمالية.

التغذية الراجعة والنتائج غير المقصودة

قد يؤدي فرض أهداف إنتاجية صارمة إلى زيادة عدد الوصفات المصروفة في البداية، لكنه قد يسبب الإرهاق أو تقليل الوقت المتاح للمراجعة السريرية والتثقيف.

لذلك ينبغي دراسة التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للقرارات الإدارية.

الدرس الإداري: لا يكفي تحسين جزء من منظومة استخدام الدواء؛ بل ينبغي تقييم أثر التحسين في سلامة المنظومة وأدائها الكلي.

النظرية الموقفية: الإدارة وفق السياق

ظهرت النظرية الموقفية (Contingency Theory) استجابةً لفكرة وجود أسلوب إداري واحد يصلح لجميع المنظمات والظروف.

ومن الباحثين المرتبطين بهذا الاتجاه جوان وودوارد (Joan Woodward)، وتوم بيرنز (Tom Burns)، وجورج ستوكر (G. M. Stalker)، وبول لورنس (Paul Lawrence)، وجاي لورش (Jay Lorsch).

وتقوم الفكرة الأساسية على أن فاعلية التنظيم والإدارة تتأثر بطبيعة العمل والتكنولوجيا والبيئة ومستوى عدم اليقين.

التطبيق الصيدلاني

تختلف متطلبات إدارة صيدلية مجتمعية كبيرة عن متطلبات وحدة للتحضير المعقم أو خدمة صيدلة سريرية في العناية المركزة.

فالأولى تحتاج إلى إدارة فعالة لتدفق المرضى والوصفات والخدمات، بينما تتطلب الثانية ضوابط دقيقة وإجراءات معتمدة، وتحتاج الثالثة إلى تواصل سريع وتعاون سريري وحكم مهني متقدم.

ولا يعني هذا أن المعايير المهنية تختلف وفق رغبة المدير، بل إن طرق تنظيم العمل والقيادة وتوزيع الموارد يجب أن تتناسب مع طبيعة البيئة والمخاطر.

القيادة حسب الموقف

قد تكون المشاركة الواسعة مناسبة عند تطوير خدمة جديدة، بينما تتطلب حادثة دوائية عاجلة اتخاذ قرارات سريعة واحتواء الخطر.

وبعد السيطرة على الحادثة، يصبح التعلم الجماعي والتحليل متعدد التخصصات ضروريين.

الدرس الإداري: الإدارة الفعالة تتكيف مع الظروف، لكنها لا تتنازل عن سلامة المرضى أو الأخلاقيات أو المتطلبات التنظيمية.

إدارة الجودة والتحسين المستمر

أصبحت إدارة الجودة (Quality Management) أحد المكونات الأساسية للفكر الإداري الحديث.

وقد أسهم والتر شيوهارت (Walter A. Shewhart)، وويليام إدواردز ديمنغ (W. Edwards Deming)، وجوزيف جوران (Joseph M. Juran)، وغيرهم في تطوير مفاهيم القياس وضبط العمليات والتحسين المستمر.

من اكتشاف الخطأ إلى منع حدوثه

ركزت بعض الأساليب التقليدية على اكتشاف العيوب بعد وقوعها.

أما إدارة الجودة الحديثة فتهتم أيضًا بتصميم عمليات تقلل احتمال حدوث الأخطاء أصلًا.

وفي الصيدلة، فإن اكتشاف خطأ صرف قبل وصول الدواء إلى المريض أمر مهم، لكن بناء نظام يقلل احتمال وقوع الخطأ يمثل حماية أكثر استدامة.

فهم التباين في الأداء

قد تتغير أزمنة انتظار المرضى ومعدلات الأخطاء وتوفر الأدوية من يوم إلى آخر.

ولا يعني كل تغير وجود سبب استثنائي.

فبعض التباين يرتبط بطبيعة العملية نفسها، بينما قد تشير تغيرات أخرى إلى ظروف خاصة تحتاج إلى التحقيق.

ويساعد فهم التباين على تجنب القرارات المتسرعة المبنية على تقلبات عابرة.

التحسين المستمر

يمكن استخدام دورة خطط–نفذ–ادرس–تصرف (Plan–Do–Study–Act, PDSA) لاختبار التغييرات بصورة منظمة.

فإذا كانت نسبة المرضى الذين يحصلون على التثقيف الدوائي عند الخروج منخفضة، يمكن للفريق تحديد أسباب المشكلة، وتجربة تدخل محدود، وقياس نتائجه، ثم تعديل الإجراء أو توسيع تطبيقه.

الجودة مسؤولية مشتركة

لا تقع مسؤولية الجودة على إدارة الجودة وحدها.

فقرارات التوظيف والتدريب وتوزيع الموارد وتصميم العمليات والقيادة تؤثر جميعها في مستوى الجودة وسلامة المرضى.

الدرس الإداري: التحسين الحقيقي لا يقوم على اكتشاف الأخطاء فقط، بل على فهم العمليات وقياس أدائها وإعادة تصميمها بصورة مستمرة.

المنظمة المتعلمة وإدارة التغيير

تواجه المؤسسات الصيدلانية تغيرات مستمرة في الأدلة العلمية والأدوية والتكنولوجيا والتشريعات وتوقعات المرضى.

ولذلك أصبحت القدرة على التعلم والتكيف من الخصائص المهمة للمنظمات الحديثة.

وقد أسهم كريس أرجيريس (Chris Argyris)، ودونالد شون (Donald Schön)، وبيتر سنج (Peter Senge)، وغيرهم في تطوير مفاهيم التعلم المؤسسي (Organizational Learning).

التعلم من الخبرة

قد تتكرر مشكلة تأخر الأدوية، وتستجيب الإدارة في كل مرة بتوجيه العاملين إلى بذل جهد أكبر.

لكن استمرار المشكلة قد يشير إلى خلل في تصميم العملية أو توزيع المسؤوليات.

وهنا يمكن التمييز بين مستويين من التعلم:

التعلم أحادي الحلقة (Single-Loop Learning): تصحيح الانحراف مع الإبقاء على القواعد والافتراضات الأساسية.

التعلم مزدوج الحلقة (Double-Loop Learning): مراجعة القواعد والافتراضات نفسها عندما تكون جزءًا من المشكلة.

فإذا تكررت أخطاء التوثيق، فقد يكون من الضروري تدريب الموظفين، لكن قد يكون من الضروري أيضًا إعادة تصميم نظام التوثيق نفسه.

إدارة التغيير

لا يتحقق التغيير بمجرد إصدار سياسة أو شراء جهاز أو تعميم تعليمات.

بل يحتاج إلى تحديد الهدف، وإشراك أصحاب المصلحة، والتواصل، والتدريب، وتوفير الموارد، ومتابعة التنفيذ.

وقد تكشف اعتراضات العاملين عن مخاطر حقيقية تتعلق بسلامة المرضى أو عبء العمل أو ضعف التدريب.

السلامة النفسية والمساءلة

تحتاج المنظمة المتعلمة إلى بيئة يستطيع فيها العاملون الإبلاغ عن المخاطر ومناقشة الأخطاء دون خوف غير مبرر من الإهانة أو العقاب.

لكن ذلك لا يعني إلغاء المساءلة المهنية.

الدرس الإداري: المنظمة الناجحة ليست التي لا تواجه مشكلات، بل التي تستطيع اكتشافها والتعلم منها وتعديل ممارساتها قبل أن تتكرر.

الفكر الإداري في العصر الرقمي

أحدثت التكنولوجيا الرقمية تحولًا في طريقة جمع المعلومات وتنظيم العمل واتخاذ القرارات وتقديم الخدمات الصحية.

وتشمل تطبيقاتها في الصيدلة الوصف الإلكتروني، والسجلات الصحية الإلكترونية، وأنظمة الصرف الآلي، ودعم القرار السريري، والصيدلة عن بُعد، وتحليل البيانات.

التحول الرقمي ليس مجرد شراء التكنولوجيا

قد تستثمر المؤسسة في أجهزة متقدمة دون أن تحقق النتائج المتوقعة إذا كان سير العمل غير مناسب، أو كان العاملون غير مدربين، أو لم تتكامل الأنظمة.

لذلك فإن التحول الرقمي (Digital Transformation) عملية تنظيمية تتطلب مواءمة التكنولوجيا مع الأشخاص والعمليات والحوكمة والأهداف المؤسسية.

الإدارة المعتمدة على البيانات

تنتج الأنظمة الرقمية كميات كبيرة من البيانات، لكن توافر البيانات لا يعني تلقائيًا تحسن القرارات.

يحتاج المدير إلى اختيار مؤشرات ذات معنى، والتحقق من جودة البيانات، وفهم سياق النتائج.

فلوحة مؤشرات الأداء (Performance Dashboard) قد تعرض أعداد الوصفات وأزمنة الانتظار وحالات نقص الأدوية وحوادث السلامة، لكن تفسير هذه المؤشرات يتطلب فهم طبيعة المرضى والعمل والتباين في الأداء.

الأتمتة والعوامل البشرية

قد تقلل الأتمتة بعض المهام اليدوية، لكنها قد تخلق مخاطر جديدة تتعلق بتصميم الواجهات الإلكترونية أو أعطال الأجهزة أو الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا.

ولذلك ينبغي أن تشمل الإدارة الرقمية تقييم المخاطر والتدريب وخطط الطوارئ والمتابعة المستمرة.

الذكاء الاصطناعي في إدارة الصيدلة

قد يساعد الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence, AI) في التنبؤ بالطلب على الأدوية، وتحليل المخزون، ودراسة الأداء التشغيلي، واكتشاف الأنماط في البيانات.

لكن مخرجاته قد تكون غير دقيقة أو متحيزة أو غير مناسبة للسياق.

كما يثير استخدامه قضايا تتعلق بالخصوصية والشفافية والمساءلة والأمن السيبراني والإشراف البشري.

الدرس الإداري: التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإدارة، بل تزيد أهمية الحوكمة والتقييم وإدارة المخاطر والتكامل بين الإنسان والنظام الرقمي.

التكامل بين المدارس الإدارية في الصيدلة الحديثة

لا ينبغي النظر إلى تاريخ الفكر الإداري باعتباره سلسلة من النظريات التي ألغت كل واحدة منها ما سبقها.

فكثير من المبادئ القديمة ما زال مفيدًا، وإن اختلفت طرق تطبيقه.

ويمكن تلخيص القيمة العملية للمدارس الإدارية في الجدول التالي:

التطبيق الصيدلانيالسؤال الإداري الأساسيالمدرسة أو الاتجاه
تحليل سير العمل وتوحيد الإجراءاتكيف نحسن طريقة أداء العمل؟الإدارة العلمية
تخطيط الخدمات وتحديد الصلاحياتهل الأهداف والمسؤوليات والتنسيق واضحة؟النظرية الإدارية
الامتثال والحوكمة والتوثيقهل توجد ضوابط موثوقة؟البيروقراطية
التواصل والعمل الجماعيكيف تؤثر العلاقات في الأداء؟العلاقات الإنسانية
التطوير المهني وإدارة القوى العاملةما الذي يحفز العاملين؟العلوم السلوكية
المخزون والتوظيف والطاقة التشغيليةماذا تكشف البيانات والنماذج؟الإدارة الكمية
تحسين منظومة استخدام الدواءكيف تتفاعل المكونات؟نظرية النظم
اتخاذ القرارات حسب طبيعة المخاطرما الأسلوب المناسب لهذا السياق؟النظرية الموقفية
سلامة الدواء والتحسين المستمركيف نحسن موثوقية النتائج؟إدارة الجودة
التعلم من الحوادث وإعادة تصميم الخدماتماذا ينبغي أن نتعلم ونغير؟التعلم المؤسسي
الأتمتة والتحليلات وحوكمة الذكاء الاصطناعيكيف نستخدم التكنولوجيا بصورة مسؤولة؟الإدارة الرقمية

ويمثل هذا الجدول تركيبًا تعليميًا لأغراض الكتاب، وليس تصنيفًا تاريخيًا موحدًا متفقًا عليه بين جميع الباحثين.

من معرفة النظريات إلى الحكم الإداري

تظهر قيمة الفكر الإداري عندما يستطيع المدير التمييز بين أسباب المشكلات، بدلًا من تطبيق الحل نفسه في جميع الحالات.

فقد تكون المشكلة مرتبطة بتصميم العمليات، أو نقص الموارد، أو ضعف التواصل، أو خلل التكنولوجيا، أو غموض المسؤوليات.

وغالبًا ما تتداخل هذه العوامل.

ولذلك يحتاج المدير إلى جمع الأدلة، وفحص التفسيرات البديلة، وتحديد الأولويات، واختيار التدخلات المناسبة، ثم تقييم النتائج.

حالة تطبيقية شاملة: ارتفاع زمن انتظار المرضى في صيدلية خارجية

هذه حالة تعليمية افتراضية تهدف إلى توضيح تطبيق المدارس الإدارية، وليست وصفًا لحادثة حقيقية محددة.

وصف الحالة

تعاني صيدلية خارجية في مؤسسة صحية كبيرة من ارتفاع زمن انتظار المرضى وتزايد الشكاوى.

ويشكو الصيادلة والفنيون من ضغط العمل، رغم إدخال نظام للوصف الإلكتروني وأجهزة صرف آلية حديثة.

وتطلب الإدارة من مدير الصيدلية معالجة المشكلة.

المعلومات الأولية

تكشف المراجعة الأولية عن ملاحظات عدة:

يتركز وصول المرضى خلال ساعات معينة.

لا تتوافق جداول العاملين دائمًا مع فترات الذروة.

تحتاج بعض الوصفات إلى استيضاحات سريرية إضافية.

يتعرض الصيادلة لمقاطعات متكررة أثناء التحقق من الوصفات.

تحدث أعطال وتأخيرات متقطعة في الأجهزة.

لا يحصل المرضى على معلومات متسقة بشأن زمن الانتظار.

يرى بعض الموظفين أن التغييرات الأخيرة طُبقت دون مشاركتهم بصورة كافية.

تركز تقارير الأداء على عدد الوصفات أكثر من تجربة المريض وسلامة الدواء.

هذه المعلومات لا تثبت سببًا جذريًا واحدًا، لكنها تساعد على تحديد مجالات التحليل.

تحليل الحالة وفق المدارس الإدارية

أولًا: الإدارة العلمية

تبدأ بدراسة خطوات معالجة الوصفة، وتحديد الحركة غير الضرورية، والازدواجية، والمقاطعات، والاختناقات.

وقد تقترح إعادة تصميم بعض الخطوات أو تحسين توزيع المهام.

ثانيًا: النظرية الإدارية

تبحث في وضوح المسؤوليات والتنسيق بين الأقسام، وآليات التعامل مع الوصفات التي تحتاج إلى استيضاح، ومدى توافق التخطيط مع الطلب.

ثالثًا: العلاقات الإنسانية والعلوم السلوكية

تدرس تجربة العاملين، ومدى مشاركتهم في التغيير، ووضوح التواصل، وإمكانية الإبلاغ عن المخاطر، وتأثير ضغط العمل في الأداء.

رابعًا: الإدارة الكمية

تحلل أنماط وصول المرضى، وأزمنة الخدمة، والطاقة التشغيلية، وتوزيع العاملين، وتباين تعقيد الوصفات.

خامسًا: التفكير النظمي

يوسع التحليل ليشمل العيادات والأطباء والتمريض وتقنية المعلومات، لأن بعض التأخيرات قد يبدأ خارج الصيدلية.

سادسًا: النظرية الموقفية

تميز بين الوصفات الروتينية والحالات المعقدة أو العاجلة، وترفض تطبيق معيار إنتاجية واحد على جميع الحالات دون مراعاة المخاطر.

سابعًا: إدارة الجودة

تحدد مؤشرات متوازنة لقياس الأداء، مثل زمن الانتظار، وحوادث السلامة، والمقاطعات، وتجربة المرضى، وعبء العمل.

ثامنًا: الإدارة الرقمية

تراجع تكامل الأنظمة الإلكترونية، وأداء الأجهزة، وملاءمة الواجهات، والتدريب، وخطط التعامل مع الأعطال.

القرار الإداري المتكامل

قد تكشف النتائج الحاجة إلى مجموعة مترابطة من التدخلات، تشمل إعادة تصميم بعض العمليات، وتعديل جداول العاملين، وتحسين التواصل، ومراجعة أداء الأنظمة الرقمية، وتطوير مؤشرات الأداء.

ويجب ترتيب التدخلات وفق مستوى المخاطر، والأثر المتوقع، والموارد المتاحة، وإمكانية التنفيذ.

كيف نقيس نجاح التحسين؟

لا يكفي أن ينخفض متوسط زمن الانتظار.

بل ينبغي أيضًا التحقق من أن التحسن مستدام، وأن سلامة الدواء لم تتأثر سلبًا، وأن تجربة المرضى تحسنت، وأن عبء العمل أصبح أكثر ملاءمة.

خلاصة الحالة

تكشف كل مدرسة إدارية جانبًا مختلفًا من المشكلة.

ولا يتحقق الحل المتكامل بمجرد اختيار نظرية واحدة، بل من خلال الجمع بين التحليل التشغيلي، والبيانات، وفهم العاملين، والتفكير النظمي، وإدارة الجودة.

والهدف النهائي هو تحسين أداء الخدمة الصيدلانية بصورة آمنة وفعالة ومستدامة، وليس مجرد تحسين مؤشر منفرد.

خلاصة الفصل

يعكس تطور الفكر الإداري محاولات متواصلة لفهم العمل والإنسان والمنظمة والموارد والقرارات والتغيير.

وقد أسست المدارس الكلاسيكية لمبادئ الكفاءة والتنظيم والسلطة والتنسيق، بينما وسعت المدارس الإنسانية والسلوكية الاهتمام بالدوافع والعلاقات والثقافة المؤسسية.

وأضافت الإدارة الكمية أدوات تحليلية لدعم القرارات، وأبرز التفكير النظمي أهمية العلاقات المتبادلة والنتائج غير المقصودة، بينما أكد المنهج الموقفي ضرورة ملاءمة الأساليب الإدارية للظروف.

ثم جاءت إدارة الجودة والتعلم المؤسسي وإدارة التغيير لتؤكد أهمية التحسين المستمر والتكيف، وأصبح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي جزءًا من البيئة التي تعمل فيها المنظمات المعاصرة.

وفي الممارسة الصيدلانية، لا تكفي المعرفة بهذه النظريات بوصفها معلومات تاريخية.

إن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تساعد الصيدلي على فهم المشكلات بصورة أعمق، واتخاذ قرارات أفضل، وتحسين العمليات والفرق والخدمات، مع المحافظة على سلامة المرضى وفاعلية الرعاية واستدامتها.

الرسائل الأساسية (Key Takeaways)

تطور الفكر الإداري استجابةً لتغير طبيعة العمل والمنظمات.

أسهمت الإدارة العلمية في تطوير دراسة العمل وتحسين العمليات.

وضعت النظرية الإدارية أسس التخطيط والتنظيم والتنسيق والمساءلة.

تدعم القواعد الرسمية الحوكمة والاتساق، لكن الإفراط في الإجراءات قد يضعف الأداء.

تؤثر العلاقات الإنسانية والتحفيز والثقافة المؤسسية في أداء الفرق الصيدلانية.

تساعد الإدارة الكمية على اتخاذ قرارات أفضل بشأن الموارد والمخزون والطاقة التشغيلية.

يكشف التفكير النظمي الترابط بين مكونات منظومة استخدام الدواء.

يؤكد المنهج الموقفي أن الأسلوب الإداري المناسب يتغير باختلاف الظروف.

تركز إدارة الجودة على تحسين موثوقية العمليات والنتائج.

يساعد التعلم المؤسسي وإدارة التغيير على تطوير الخدمات والتكيف مع المستجدات.

يتطلب التحول الرقمي إدارة فعالة للتكنولوجيا والبيانات والمخاطر.

لا توجد مدرسة إدارية واحدة تكفي لتفسير جميع مشكلات الممارسة الصيدلانية.

الإدارة الفعالة تجمع بين المبادئ العلمية والحكم المهني وفهم السياق.

يبقى تحسين رعاية المرضى وسلامتهم والقيمة الصحية المستدامة هو الغاية الأساسية للإدارة الصيدلانية.

أسئلة للمراجعة والتفكير النقدي

لماذا يحتاج الصيدلي إلى دراسة تطور الفكر الإداري حتى وإن لم يكن مديرًا؟

ما أهم إسهامات الإدارة العلمية، وما حدود تطبيقها في الرعاية الصحية؟

كيف يمكن تحقيق التوازن بين الإجراءات الرسمية والمرونة المهنية؟

لماذا لا تكفي العلاقات الجيدة بين العاملين لضمان جودة الأداء؟

كيف تساعد الإدارة الكمية على تحليل مشكلات المخزون والانتظار؟

ما الفرق بين تحسين أداء قسم منفرد وتحسين أداء المنظومة؟

لماذا تحتاج بيئات الممارسة الصيدلانية المختلفة إلى أساليب إدارية مختلفة؟

كيف يمكن للمنظمة المتعلمة أن تمنع تكرار المشكلات الدوائية؟

ما التحديات الإدارية التي يفرضها إدخال الأتمتة والذكاء الاصطناعي؟

كيف يمكن الجمع بين المدارس الإدارية لتحليل مشكلة ارتفاع زمن انتظار المرضى؟

الخاتمة

إن تاريخ الإدارة ليس مجرد سجل لنظريات متنافسة، بل هو تاريخ تطور فهم الإنسان للعمل والتنظيم والسلوك والتعقيد والتغيير.

وقد ورثت الإدارة الصيدلانية الحديثة الكثير من هذه الأفكار، لكنها مطالبة بتطبيقها في بيئة تتميز بحساسية القرارات، وتعقيد الرعاية، وارتفاع متطلبات السلامة والمساءلة.

ولذلك فإن المدير الصيدلاني الفعال لا يكتفي بالسؤال عن كيفية زيادة الإنتاجية أو خفض التكاليف.

بل يطرح سؤالًا أوسع:

كيف نصمم ونقود ونحسن خدمة صيدلانية تتكامل فيها كفاءات العاملين والعمليات والتكنولوجيا والموارد، لتقديم رعاية دوائية آمنة وفعالة ومتاحة ومستدامة؟

وهذا السؤال هو الجسر الذي يصل بين تاريخ الفكر الإداري ومستقبل الممارسة الصيدلانية.

المراجع والقراءات التأسيسية

1 المراجع النهائية للفصل الثاني

References and Foundational Reading

1. Smith A. An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations. London: W. Strahan and T. Cadell; 1776.

2. Taylor FW. The Principles of Scientific Management. New York: Harper & Brothers; 1911.

3. Fayol H. Administration industrielle et générale: prévoyance, organisation, commandement, coordination, contrôle. Bulletin de la Société de l’Industrie Minérale. 1916; troisième livraison.

4. Weber M. Wirtschaft und Gesellschaft. Tübingen: J.C.B. Mohr (Paul Siebeck); 1922.

5. Mayo E. The Human Problems of an Industrial Civilization. New York: Macmillan; 1933.

6. Maslow AH. A theory of human motivation. Psychological Review. 1943;50(4):370–396. doi:10.1037/h0054346.

7. McGregor D. The Human Side of Enterprise. New York: McGraw-Hill; 1960.

8. Herzberg F, Mausner B, Snyderman BB. The Motivation to Work. New York: Wiley; 1959.

9. von Bertalanffy L. General System Theory: Foundations, Development, Applications. New York: George Braziller; 1968.

10. Burns T, Stalker GM. The Management of Innovation. London: Tavistock; 1961.

11. Lawrence PR, Lorsch JW. Organization and Environment: Managing Differentiation and Integration. Boston: Division of Research, Graduate School of Business Administration, Harvard University; 1967.

12. Argyris C, Schön DA. Organizational Learning: A Theory of Action Perspective. Reading (MA): Addison-Wesley; 1978.

13. Senge PM. The Fifth Discipline: The Art and Practice of the Learning Organization. New York: Doubleday; 1990.

14. Deming WE. Out of the Crisis. Cambridge (MA): MIT Center for Advanced Engineering Study; 1986.

15. Juran JM. Juran on Leadership for Quality: An Executive Handbook. New York: Free Press; 1989.

16. Bright DS, Cortes AH. Principles of Management. Houston (TX): OpenStax; 2019. https://openstax.org/books/principles-management/pages/1-introduction

17. World Health Organization. Global Patient Safety Action Plan 2021–2030: Towards Eliminating Avoidable Harm in Health Care. Geneva: WHO; 2021. https://www.who.int/publications/i/item/9789240032705

18. World Health Organization. Medication Without Harm: Global Patient Safety Challenge on Medication Safety. Geneva: WHO; 2017. WHO/HIS/SDS/2017.6. https://www.who.int/publications/i/item/WHO-HIS-SDS-2017.6

19. de Savigny D, Adam T, editors. Systems Thinking for Health Systems Strengthening. Geneva: Alliance for Health Policy and Systems Research, World Health Organization; 2009. https://ahpsr.who.int/publications/i/item/2009-11-13-systems-thinking-for-health-systems-strengthening

20. International Pharmaceutical Federation. The FIP Development Goals: Transforming Global Pharmacy. The Hague: FIP; 2020. https://www.fip.org/file/4793

21. American Society of Health-System Pharmacists. Pharmacy Strategic Planning and Execution Resource Center [Internet]. Available from: https://www.ashp.org/pharmacy-practice/resource-centers/pharmacy-strategic-planning-and-execution-resource-center

22. Zgarrick DP, Desselle SP, Alston G, Moczygemba LR. Pharmacy Management: Essentials for All Practice Settings. 5th ed. New York: McGraw-Hill; 2020. https://www.mheducation.com/highered/mhp/product/pharmacy-management-essentials-all-practice-settings-fifth-edition.html

Yassir Shibeika
Yassir Shibeika
تعليقات