من رُقُم الطين إلى العصر البيولوجي - رحلة الصيدلي السوداني في البحث عن الهوية
مقدمة
الصيدلة .. فن قديم، علم حديث، ورسالة لم تكتمل بعد
تُعد مهنة الصيدلة حجر الزاوية في الرعاية الصحية، وهي مهنة ذات جذور تاريخية عميقة تضرب في أعماق الحضارات الإنسانية. لم تكن الصيدلة يوماً مجرد "صرف دواء"، بل كانت فناً يجمع بين أسرار الطبيعة (أعشاب، معادن، حيوانات) وبين الممارسة الطبية الواعية.
بالنسبة لك كصيدلي سوداني، أو طالب يتحسس خطاه في هذا الدرب، فإن فهم التطور التاريخي ليس ترفاً معرفياً، بل هو ضرورة لفهم "أزمة الهوية" التي نعيشها اليوم. إن كل قرص تتداوله يداك هو نتاج رحلة بدأت من ألواح طين السومريين، مرت بعبقرية ابن سينا، وصولاً إلى ثورة الهندسة الوراثية، وفي قلب هذا السرد، تقف تجربة الصيدلة في السودان كحالة فريدة من الصراع بين التميز العلمي والتهميش المهني.
المحور الأول
فجر الصيدلة .. حين كان السحر والطب وجهين لعملة واحدة
1) بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة
بدأت الرحلة في الألفية الثالثة قبل الميلاد مع السومريين. تشير الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري إلى قوائم أدوية معقدة. كان المرض في نظرهم حالة واحدة تتطلب علاجاً من مصادر حيوانية ونباتية، وكان الكهنة (ashipu) والأطباء (asu) هم حراس هذا العلم.
في مصر القديمة، ظهر إمحوتب كأقدم طبيب معروف. وتعتبر بردية إيبرس (1550 ق.م) الدليل الصيدلاني الأهم، حيث وصفت بدقة أشكالاً صيدلانية لا نزال نستخدمها:
- المراهم والتحاميل.
- الغسولات والمستحلبات.
- المستنشقات.
2) الشرق الأقصى: توازن الروح والجسد
في الهند، قدم طب الأيورفيدا (800 ق.م) مزيجاً من الأدوية والتعاويذ، بينما طورت الصين نظريات شاملة في "هوانغدي نيجينغ"، ووثقت آلاف العقاقير في موسوعة "بين تساو كانغ مو".
المحور الثاني
العصر الذهبي العربي .. ولادة "الصيدلية" كمؤسسة
بينما كان العالم يتخبط، جاءت الحضارة العربية الإسلامية لتصنع الفارق الجوهري: الفصل المؤسسي.
|
الأثر المستمر |
العالِم / المؤسسة |
المساهمة التاريخية |
|
تحويل الصيدلة لمحل تجاري خاضع لتفتيش الدولة. |
بغداد (القرن التاسع) |
أول صيدلية عامة |
|
وصف 760 دواءً ودمج العلوم اليونانية بالعربية. |
ابن سينا |
كتاب القانون في الطب |
|
وضع الأسس العلمية لعمليات التصنيع الصيدلاني. |
أبو القاسم الزهراوي |
تحضير الأشكال الصيدلانية |
نقطة تحول: في القرن الثالث عشر (1231-1240م)، أصدر الإمبراطور فريدريك الثاني مرسوم "ليبر أوغوستاليس" الذي فصل رسمياً بين الطب والصيدلة في أوروبا، متأثراً بالنموذج التنظيمي العربي.
المحور الثالث
ثورات اكتشاف الأدوية .. من المختبر إلى المصنع
شهدت القرون الأخيرة قفزات غيرت مصير البشرية، ويمكن تقسيمها إلى محطات كبرى:1. المسكنات (بداية الكيمياء النظيفة)
- 1804 عزل المورفين من الأفيون (سيرتيرنر).
- 1899 ولادة الأسبرين (شركة باير)، وهو الحدث الذي وضع حجر الأساس للصناعة الدوائية الحديثة.
2. معجزة المضادات الحيوية
يُصنف اكتشاف البنسلين كواحد من أهم 4 إنجازات في التاريخ:- 1929 وصف النشاط البكتيري للبنسلين.
- 1935 تطوير السلفوناميدات.
- 1941 نجاح فلوري وتشين في تخليق البنسلين للاستخدام البشري.
3. العصر البيولوجي والتقنية الحيوية
انتقلنا من الجزيئات الصغيرة إلى البروتينات المعقدة:- 1982 إنتاج الإنسولين البشري بتقنية الحمض النووي المؤتلف.
- 1987 إنتاج عوامل تنشيط البلازمينوجين النسيجي لعلاج الجلطات.
المحور الرابع
المأساة كدافع للتنظيم .. دروس من الدماء
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود. كانت الكوارث هي المحرك الرئيسي للتشريعات الصارمة التي ندرسها اليوم في "قوانين الصيدلة":
- مأساة إكسير السلفانيل آميد (1937): أدت لوفاة المئات بسبب مذيب سام، مما نتج عنه ظهور قانون الغذاء والدواء الأمريكي (1938) الذي اشترط إثبات الأمان قبل التسويق.
- مأساة الثاليدوميد (1961): تسبب في تشوهات أجنة مروعة، مما أدى لإنشاء هيئات رقابية مثل (MHRA) في بريطانيا وتشديد إجراءات الرقابة على الأدوية في الاتحاد الأوروبي (EMA).
المحور الخامس
الصيدلة في الولايات المتحدة (نموذج التطور العالمي)
من المفيد للصيدلي السوداني مراقبة النموذج الأمريكي ليفهم أين نقف نحن:
- أوائل القرن العشرين (مرحلة التلمذة): كان الصيدلي "عطاراً" يكتسب المهنة بالخبرة، لا بالشهادة. لم يكن هناك فرق واضح بين دواء بوصفة أو بدونها.
- منتصف القرن (عصر التوسع): مع قانون "هيل-بيرتون" 1946، زادت المستشفيات وقلّ "التركيب اليدوي" لصالح المصانع. هنا ظهر وصف "متعلم أكثر من اللازم، لكن غير مستغل".
- أواخر القرن (الصيدلة الإكلينيكية): في السبعينيات، ظهرت حركة الصيدلة السريرية لتعيد الصيدلي من "خلف الرفوف" إلى "سرير المريض".
المحور السادس
الصيدلة في السودان .. رحلة البحث عن "الهوية العلاجية"
هنا نأتي إلى صلب الموضوع.. أنت، صيدلي السودان، أين بدأت قصتك؟1) ما قبل الأكاديميا: الصيدلي "التاجر"
حتى عام 1954، لم يكن هناك صيدلي سوداني واحد يعمل رسمياً داخل وزارة الصحة! كانت الصيدلة نشاطاً تجارياً بحتاً يتمركز في المدن الكبرى ويعتمد على الاستيراد. الدواء كان "سلعة" وليس "عنصر استراتيجياً".2) الرواد الأوائل: العائدون من خلف البحار
قبل الكلية، كان هناك "الرجال الجسور". صيادلة تخرجوا من بريطانيا، مصر، لبنان، والاتحاد السوفيتي. ودول أخري عديدة- إبراهيم قاسم مخير: صاحب أول صيدلية وطنية في أم درمان (1937).
3) عام 1964: الميلاد الجامعي المتعثر
لماذا تأخر التعليم الصيدلي في السودان؟ لأن الإدارة الاستعمارية وما بعدها اعتبرت الصيدلة "وظيفة مساندة" يمكن سدها بالاستيراد.عندما أُنشئت كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم عام 1964، حدث الآتي:
- تم تبني النموذج البريطاني الصارم: تركيز هائل على الكيمياء والصيدلانيات والتركيب.
- النتيجة: تخرج صيدلي "قوي جداً علمياً" لكنه "يتيم علاجياً"؛ أي أنه لا يمتلك مهارات التواصل مع المريض أو اتخاذ القرار الإكلينيكي.
المحور السابع
الفجوة الكبرى .. لماذا نشعر بالتهميش؟
سيناريو واقعي:
لماذا حدث هذا؟
- النشأة اليتيمة: المهنة وُلدت في السوق قبل أن تولد في المستشفى.
- الصورة الذهنية: المجتمع ورث فكرة أن الصيدلي = (يساوي) بائع، لأن النظام الصحي لم يدمجه كشريك في القرار منذ البداية.
- التعليم التقليدي: لسنوات طويلة، ركزت المناهج على "كيف يصنع الدواء" وليس "كيف يعالج المريض".
المحور الثامن
تشبيه لترسيخ المفهوم (رحلة المادة الفعالة)
- مرحلة النبات الخام: (ما قبل 1964 في السودان) - صيدلة العطارة والتلمذة، تعامل يدوي بسيط.
- مرحلة المادة النقية في المختبر: (منتصف القرن العشرين) - علم غزير، لكنه حبيس الأرفف والمصانع، بعيد عن المريض.
- مرحلة الدواء الذكي الموجه: (عصر الصيدلة الإكلينيكية وPharmD) - الصيدلي الذي يتفاعل مع النظام الصحي ليحقق "النتيجة العلاجية" وليس فقط "توفير العلبة".
المحور التاسع
إحصائيات وتحديات معاصرة (نحو المستقبل)
- الذكاء الاصطناعي: بدأ يغزو اكتشاف الأدوية، مما يتطلب من الصيدلي مهارات تقنية جديدة.
- البيولوجيات: الأدوية لم تعد مجرد "مواد كيميائية"، بل علاجات جينية وخلايا تتطلب بروتوكولات تخزين وإدارة فائقة التعقيد.
- التحول الوظيفي: في الدول المتقدمة، انتقل 70% من دور الصيدلي إلى الاستشارة السريرية، بينما لا نزال في السودان نكافح للوصول إلى 30%.
الخلاصة
النداء الأخير للصيدلي السوداني
أيها الزميل، أيها الطالب:
إن تاريخك يبدأ من رُقُم الطين، لكن مستقبلك يبدأ من اعترافك بـ "أزمة الهوية". نحن لسنا مجرد "صرافين" لأدوية صنعها غيرنا. نحن "حراس السموم" الذين تحولوا إلى "خبراء العلاج".
إن الصيدلي السوداني الذي تخرج من جامعة الخرطوم أو غيرها من الجامعات السودانية العريقة، يحمل في جيناته المهنية صرامة العلم التي وضعها الرواد الأوائل. لكن المهمة لم تنتهِ؛ المهمة تبدأ الآن بـ:
- الخروج من قفص "الصرف" إلى فضاء "الرعاية الصيدلانية".
- انتزاع الدور الإكلينيكي داخل الفريق الطبي بالمعرفة والممارسة، لا بالشعارات.
- فهم أن "الدواء" بدون "رعاية صيدلانية" هو مجرد كيمياء قد تقتل أكثر مما تشفي.
