دليل أمراض البنكرياس، المرارة، والزائدة الدودية: من التشخيص إلى العلاج

 دليل أمراض البنكرياس، المرارة، والزائدة الدودية: من التشخيص إلى العلاج

آلام البطن قد تكون مجرد "نذير" لعاصفة طبية قادمة! بينما يركز معظمنا على المعدة والقولون عند الحديث عن الهضم، تقبع في الخفاء ثلاثة أعضاء حيوية تلعب دور "المايسترو" في جوقة الجهاز الهضمي: البنكرياس، المرارة، والزائدة الدودية. هذه الأعضاء رغم صغر حجم بعضها، إلا أن إصابتها قد تتحول من مجرد انزعاج بسيط إلى حالات طارئة تهدد الحياة في غضون ساعات.

في هذا الدليل الطبي الشامل، الموجه للصيادلة والممارسين الصحيين وعموم المرضى المثقفين، سنغوص في أعماق التشريح الوظيفي، ونفك شفرات الأعراض المتشابهة، ونستعرض أحدث بروتوكولات العلاج الدوائي والجراحي.

أمراض البنكرياس، المرارة، والزائدة الدودية

أمراض البنكرياس، المرارة، والزائدة الدودية

البنكرياس: المصنع الكيميائي المزدوج

يُطلق على البنكرياس لقب "الأسد النائم"؛ فهو هادئ ما دام سليمًا، ولكنه يزأر بشراسة عند التهابه. يقع هذا العضو خلف المعدة ويمتد عرضيًا، متميزًا بوظيفة مزدوجة فريدة تجعله جسرًا بين جهازين: الجهاز الهضمي وجهاز الغدد الصماء.

1. التشريح الوظيفي للبنكرياس - ما وراء الأنسولين

بينما يعرف الجميع البنكرياس بإنتاج الأنسولين (الوظيفة الصماء – Endocrine)، فإن 95% من كتلة البنكرياس مخصصة للوظيفة الخارجية الإفراز (Exocrine)، وهي محور تركيزنا في أمراض الجهاز الهضمي.

تفرز الخلايا العُنيبية (Acinar cells) يوميًا ما يقرب من 1.5 لتر من العصارة البنكرياسية القلوية الغنية بالإنزيمات الهاضمة، والتي تصب في الاثني عشر عبر قناة ويرسونغ (Duct of Wirsung) لتلتقي بالعصارة الصفراوية.

الإنزيمات البنكرياسية: سلاح ذو حدين

  • البروتياز (Proteases): مثل Trypsinogen وChymotrypsinogen. تفرز بصورة غير نشطة لتجنب هضم البنكرياس لنفسه، ولا تنشط إلا عند وصولها للأمعاء.
  • الليباز (Lipase): المسؤول الأول عن هضم الدهون وتحويلها لأحماض دهنية وجليسرول.
  • الأميليز (Amylase): لهضم الكربوهيدرات والنشويات.

2. التهاب البنكرياس الحاد (Acute Pancreatitis)

هي حالة طبية طارئة يحدث فيها "هضم ذاتي" (Autodigestion) للبنكرياس نتيجة التنشيط المبكر للإنزيمات داخله قبل وصولها للأمعاء.

المسببات الرئيسية:

  1. حصوات المرارة (40-50%): انزلاق حصوة وسدها للقناة المشتركة (Ampulla of Vater) يؤدي لارتجاع العصارة وتدمير الأنسجة.
  2. الكحوليات (30%): يؤدي لزيادة لزوجة العصارة وتسمم مباشر للخلايا العنيبية.
  3. الأدوية (Drug-Induced Pancreatitis): نقطة هامة للصيادلة.
  4. ارتفاع الدهون الثلاثية: عندما تتجاوز 1000 mg/dL.

أدوية شائعة قد تحفز التهاب البنكرياس (لليقظة الدوائية)

الفئة الدوائيةالأمثلة
مدرات البولThiazides, Furosemide (فوروسيميد)
أدوية السكريGLP-1 agonists (إكسيناتيد، ليراجلوتيد), DPP-4 inhibitors
المضادات الحيويةTetracyclines (تتراسيكلين), Sulfonamides (سلفوناميد), Metronidazole (ميترونيدازول)
أدوية المناعةAzathioprine (أزاثيوبرين), Mercaptopurine (ميركابتوبورين)
مضادات التشنجValproic Acid (حمض الفالبرويك)

ملاحظة: استشر الطبيب أو الصيدلي دائمًا للحصول على معلومات دوائية كاملة ومناسبة لحالتك الصحية.

التشخيص - التهاب البنكرياس الحاد (معايير أتلانتا المعدلة): يتطلب وجود 2 من 3:

  1. ألم بطني حاد مفاجئ في المنطقة العلوية (Epigastric) يمتد للظهر ("حزام" - Hizam like pain).
  2. ارتفاع إنزيمات (Amylase/Lipase) لأكثر من 3 أضعاف الطبيعي.
  3. ظهور الالتهاب في الأشعة المقطعية (CT) أو الرنين (MRI).

بروتوكول العلاج الحديث:

  • الإنعاش بالسوائل (Fluid Resuscitation): حجر الزاوية في العلاج. يُفضل محلول رينجر لاكتات (Lactated Ringer's) على المحلول الملحي (Normal Saline).
  • تسكين الألم: الانتقال من قاعدة "تجنب المورفين" القديمة إلى السماح به، أو استخدام الفنتانيل والهيدرومورفون.
  • التغذية: التوجه الحديث هو التغذية المعوية المبكرة (في غضون 24-48 ساعة) بدلاً من سياسة "راحة الأمعاء" الطويلة.

3. التهاب البنكرياس المزمن (Chronic Pancreatitis)

مرض منهك يتميز بتليف دائم وفقدان الوظائف. المريض هنا يعاني من سوء هضم شديد، إسهال دهني (Steatorrhea)، وقد يصاب بمرض السكري من النوع 3c نتيجة تدمير خلايا بيتا.

العلاج الذهبي: تعويض الإنزيمات (PERT)

العلاج ببدائل إنزيمات البنكرياس هو الأساس.

  • الاسم العلمي: Pancrelipase.
  • نصيحة صيدلانية جوهرية: يجب تناول الكبسولات مع أول لقمة من الطعام. حمض المعدة يكسر هذه الإنزيمات؛ لذا فهي مغلفة بطبقة معوية (Enteric Coated). يُنصح أحيانًا بإضافة دواء PPI (مثل أوميبرازول) لرفع قلوية المعدة وزيادة فعاليتها.


المرارة: المخزن الصغير والمشاكل الكبيرة

المرارة ليست مسؤولة عن إنتاج الصفراء، بل هي "خزان" يقوم بتركيز العصارة الصفراوية القادمة من الكبد لحين الحاجة إليها عند تناول وجبة دسمة.

حصوات المرارة (Cholelithiasis): لماذا تتكون؟

السبب الرئيسي هو اختلال التوازن الكيميائي في مكونات الصفراء (كوليسترول، أملاح صفراء، وليسيثين). عندما يزداد الكوليسترول، يترسب مكونًا بلورات تتحول لحصوات.

قاعدة "الـ 4 Fs" لعوامل الخطر:

  1. Female (الإناث أكثر عرضة).
  2. Forty (سن الأربعين وما فوق).
  3. Fat (السمنة وزيادة الوزن).
  4. Fertile (سن الإنجاب وتأثير هرمون الاستروجين).

التمييز بين المغص المراري والتهاب المرارة الحاد

هذا التمييز حيوي لتوجيه المريض:

1. المغص المراري (Biliary Colic):

  • انسداد مؤقت للقناة المرارية.
  • ألم في الربع العلوي الأيمن بعد وجبة دسمة.
  • يستمر من ساعة إلى 4 ساعات ثم يختفي.
  • لا توجد حمى ولا ارتفاع في كريات الدم البيضاء.

2. التهاب المرارة الحاد (Acute Cholecystitis):

  • انسداد دائم يؤدي لعدوى بكتيرية.
  • ألم مستمر لأكثر من 6 ساعات.
  • علامة مورفي (Murphy’s Sign): توقف التنفس من الألم عند ضغط الطبيب على مكان المرارة أثناء الشهيق.
  • حمى، غثيان، وارتفاع كريات الدم البيضاء.

الخيارات العلاجية

  • الجراحة (Laparoscopic Cholecystectomy): هي المعيار الذهبي للعلاج.
  • العلاج الدوائي (حمض الأورسوديوكسيكوليك – UDCA):

يستخدم للحصوات الصغيرة (أقل من 5-10 ملم) وللمرضى غير المؤهلين للجراحة.

تنبيه للمريض: العلاج قد يستغرق 6-24 شهرًا لإذابة الحصوات، ونسبة عودتها عالية بعد التوقف.

الزائدة الدودية: القنبلة الموقوتة

تقع عند نقطة التقاء الأمعاء الدقيقة بالغليظة. ورغم الاعتقاد السائد بعدم أهميتها، تشير أبحاث حديثة لدورها "كمحمية بيئية" للبكتيريا النافعة.

كيف تكتشف التهاب الزائدة؟ (Appendicitis)

السيناريو الكلاسيكي الذي يجب أن يحفظه كل صيدلي وأب/أم:

  1. يبدأ الألم بشكل غامض حول السرة (Periumbilical).
  2. بعد عدة ساعات، يهاجر الألم ويستقر بحدة في الربع السفلي الأيمن.
  3. تحديد الموقع بدقة: نقطة ماكبيرني (McBurney's Point)، وهي تقع في ثلث المسافة من عظمة الحوض الجانبية باتجاه السرة.

علامات التحذير الحمراء (Red Flags):

  • ألم يزداد مع السعال أو القفز أو اهتزاز السيارة (علامة على تهيج الغشاء البريتوني).
  • اختفاء الألم فجأة (قد يعني انفجار الزائدة، وهو هدوء ما قبل العاصفة والتهاب البريتون المميت).

الجدل الحديث: جراحة أم مضادات حيوية؟

تقليديًا، استئصال الزائدة هو الحل الوحيد. لكن دراسات حديثة (مثل دراسة CODA) أظهرت أن:

  • يمكن علاج الحالات غير المعقدة (بدون خراج أو ثقب) بالمضادات الحيوية الوريدية فقط.
  • ولكن: نسبة عودة الالتهاب تصل إلى 30-40% خلال 5 سنوات. لذا، تظل الجراحة (خاصة بالمنظار) الخيار الأفضل والأكثر حسمًا لمعظم المرضى.


دور الصيدلي: خط الدفاع الأول

كممارس صحي، دورك محوري في فرز الحالات (Triage):

1. تحليل الألم:

  • ألم "حزام" علوي + غثيان = شك في البنكرياس.
  • ألم أيمن علوي بعد أكل دهني = شك في المرارة.
  • ألم أيمن سفلي متزايد + حرارة = شك في الزائدة.


2. إدارة الأدوية:

  • مراجعة أدوية مرضى السكري والضغط للتأكد من عدم تسببها في التهاب البنكرياس.
  • التأكد من الالتزام ببروتوكول إنزيمات البنكرياس لمرضى الالتهاب المزمن.
  • تجنب صرف المسكنات القوية (Opiates) لمريض يشكو من ألم بطني حاد مجهول السبب قبل التشخيص الطبي، حتى لا يتم إخفاء الأعراض السريرية المهمة.


الخاتمة: الوقاية خير من العلاج

أمراض الجهاز الهضمي هذه، على الرغم من تعقيدها، تشترك في عوامل خطر يمكن تعديلها. السمنة، النظام الغذائي الغني بالدهون المشبعة، والكحول، هي الأعداء المشتركة للبنكرياس والمرارة.

نصيحة أخيرة: لا تتجاهل ألم البطن الذي يوقظك من النوم أو الذي يستمر لأكثر من 6 ساعات. إن سرعة التوجه للطوارئ قد تكون الفارق بين جراحة بسيطة بالمنظار وبين مضاعفات قد تغير مجرى حياتك.

......................................................................................................................................................

المصادر:

  • ACG Clinical Guideline: Management of Acute Pancreatitis (2024 Updates).
  • EASL Clinical Practice Guidelines on the prevention, diagnosis and treatment of gallstones.
  • The CODA Collaborative. A Randomized Trial Comparing Antibiotics with Appendectomy for Appendicitis. NEJM.

Yassir Shibeika
Yassir Shibeika
تعليقات